فخر الدين الرازي

176

الأربعين في أصول الدين

توجد المؤثرات بأسرها ، يجب عقلا ، أن لا يصدر عنه الأثر ، ويمتنع أن يصدر وعلى هذا التقدير ، لا يبقى فرق البتة بين القادر والموجب . بل الفرق : أن شرائط التأثير في حق القادر سريعة التغير . وإذا حصلت بعد أن كانت معدومة ، صار القادر واجب التأثير ، وإذا زالت بعد أن كانت موجودة ، صار ممتنع التأثير . الا أن هذا التغير « 1 » انما يعقل في حق من تكون مؤثريته ، موقوفة على شرائط منفصلة عن ذاته . والباري تعالى قبل تأثيره في غيره ، ليس موقوفا على شرائط منفصلة عن ذاته . لأنه تعالى مبدأ لكل ما سواه ، فلا يكون تأثيره فيما سواه موقوفا على شيء منفصل عنه . فلا جرم كان تأثيره في غيره ، يخص ذاته . وذاته ممتنعة التغير ، فكان تأثيره في غيره أيضا ممتنع التغير . وهذا هو السؤال القوى الّذي عليه يعولون ، وبه يصولون . السؤال الثاني : قالوا : أليس من مذهبكم أن التغير ممتنع في صفات اللّه تعالى ، وأن العدم على القديم محال ؟ ثم من مذهبكم : ان إرادة اللّه تعالى كانت متعلقة من الأزل إلى الأبد بترجيح وجود ذلك الحادث المعين على عدمه ، وقدرته من الأزل إلى الأبد متعلقة بايجاد وجود ذلك الحادث المعين في ذلك الوقت المعين . فإذا كان التغير ممتنعا في صفات اللّه تعالى ، استحال من اللّه تعالى أن لا يرجح وجود ذلك المراد ، وأن لا يوجد وجود ذلك المقدور . وإذا كان الأمر كذلك ، كان تعالى موجبا بالذات ، لا فاعلا بالاختيار . السؤال الثلاث : لا شك أنه تعالى عالم بجميع المعلومات . فهو يعلم أن الشيء الفلاني يقع في الوقت الفلاني ، والشيء الفلاني لا يقع في الوقت الفلاني وخلاف المعلوم محال الوقوع لأن عدم وقوع الشيء مع العلم بوقوع الشيء ، ضدان . والضدان ممتنعان متنافيان

--> ( 1 ) التغيير : ا